محمد ابو زهره
53
خاتم النبيين ( ص )
( د ) وإن تاريخ العرب المحفوظ أن العرب العدنانية لهم تاريخ ثابت موصول تلقاه أهل العقول بالقبول ، وما يتلقاه العلماء بالقبول لا ينقض بمجرد الشك ، بل لا يرفض إلا بدليل يناهضه ، وبينات تقاومه ، ولا يقاوم بمجرد الشك وإلا ضاعت الحقائق ، وضلت الأفهام ، وظواهر الأحوال شاهد يؤخذ به ، حتى يقوم الدليل على خلافه . ( ه ) وأن الزعم بأن أولاد إسماعيل وثنيون ، وإبراهيم عليه السلام كان مواحدا ، فكيف يلتقيان ، أو القول بأن العرب وثنيون ، والمواحد لا يمكن أن يكون أبا للوثنيين ، منطق فاسد ، لأن مؤداه أن من يكون مواحدا يجب أن تكون سلالته كلها من الأولاد الصلبيين إلى اخر الذرية ، ولو كانوا في الطبقة المتممة للمائة ، مواحدين ، وذلك كلام باطل ، فإنه قد ينحرف الأبناء عن وصايا الاباء ، وإذا كان ذلك غريبا في الطبقة الأولى ، أو ما يكون قريبا منها ، فإنه لا يكون غريبا في الطبقات البعيدة من الذرية . وإن إبراهيم عليه السلام قد طوف في الآفاق داعيا إلى التوحيد محاربا للوثنية ، وترك أثره واضحا في العرب وخصوصا ذريته ، فقد كانت ذريته مواحدة ، سالكة سبيل الحق في عبادتها ، ولكن القلوب إذا تقادم العهد قد تنحرف شيئا فشيئا حتى تصل إلى الوثنية ، فالوثنية ، عارضة على العقل العربي ، وخصوصا ذرية إبراهيم عليه السلام ، فإن الوثنية لم تكن أصيلة فيهم ، ومع ذلك كان في وثنيتهم بقايا من تعاليم إبراهيم عليه السلام ، وما كانوا يؤمنون بأن أوثانهم لها قوة الخلق والإنشاء ، كما كان عند المصريين القدماء ، وكما كان عند اليونان والرومان ، بل كانوا يقرون بأن الخلق والتكوين لله تعالى واحده ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ « 1 » ، ويقولون ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى « 2 » . وإن تفكير ذلك الكاتب المستشرق فيه غرابة من حيث المنهاج العلمي المستقيم من ناحية أمرين : أولهما : أنه من الاستهانة بأي منهاج عقلي أن يثير عالم الشك من غير أي مسوغ للريب من أمور تقترن بالأمر الجازم المقطوع به ، فإن ذلك إثارة لطريقة السوفسطائيين الذين يشكون في حقائق الأشياء شكا مجردا من غير أي باعث علمي ، أو من غير أي بينة تسوغ الشك ، حتى يحارب اليقين ، ولكن هذه الأمور البدهية نسيها ذلك الباحث إن صح هذا الوصف له ، وما أنساه إلا شيطان التعصب المردى الذي ينزل من علياء العلم إلى مهاوى العمى . فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ « 3 » . ثانيهما : أن من الحقائق الاجتماعية والنفسية ، أن العقائد في الناس تتحول وتتغير ، ويجرى عليها نظام التغير ، ويستمر في طريقه ، ما لم يكن هناك كتاب ثابت يهدى إلى الحق ، ويرشد الضال فيهتدى ، ويكون ميزانا يمنع الانحراف .
--> ( 1 ) سورة العنكبوت : 61 . ( 2 ) سورة الزمر : 3 . ( 3 ) سورة الحج : 46 .